أبو علي سينا

مقدمة الشفاء 61

الشفاء ( المنطق )

وقد انتقلت هذه الخصومة كما انتقل غيرها إلى العالم العربي ، وفصل فيها ابن سينا على النحو الآتي : « وأما النظر في الألفاظ فهو أمر تدعو إليه الضرورة ، وليس للمنطقى - من حيث هو منطقي - شغل أول بالألفاظ إلا من جهة المخاطبة والمحاورة . ولو أمكن أن يتعلم المنطق بفكرة ساذجة إنما تلحظ فيها المعاني وحدها ، لكان ذلك كافيا . ولو أمكن أن يطلع المحاور فيه على ما في نفسه بحيلة أخرى ، لكان يغنى عن اللفظ البتة . ولكن لما كانت الضرورة تدعو إلى استعمال الألفاظ ، وخصوصا ومن المتعذر على الروية أن ترتب المعاني من غير أن تتخيل معها ألفاظها ، بل تكاد تكون الرويّة مناجاة من الإنسان لذهنه بألفاظ متخيلة ، لزم أن تكون للألفاظ أحوال مختلفة تختلف لأجلها أحوال ما يطابقها في النفس من المعاني ، حتى يصير لها أحكام لولا الألفاظ لم تكن . فاضطرت صناعة المنطق إلى أن يصير بعض أجزائها نظرا في أحوال الألفاظ ، ولولا ما قلناه لما احتاجت أيضا إلى أن يكون لها هذا الجزء ، فلا خير في قول من يقول إن المنطق موضوعه النظر في الألفاظ من حيث تدل على المعاني ، وإن المنطقي إنما صناعته أن يتكلم على الألفاظ من حيث تدل على المعاني ، بل يجب أن يتصور أن الأمر على النحو الذي ذكرناه . وإنما تبلد في هذا من تبلد وتشوش من تشوش ، بسبب أنهم لم يحصّلوا بالحقيقة موضوع المنطق » « 1 » . فصل في الموضوع صريح وواضح ، فيه تأييد للمشائية ولا شك ، ولكنه يحمل في ثناياه ضربا من التجديد ، فابن سينا في رجائه أن تحل محل الألفاظ وسائل أخرى لأداء المعاني ، يتنبأ باللوجستيقا قبل أن تتكون بنحو ثمانية قرون . ولا غرابة فإنا نراه في " رسالته النيروزية " يحاول أن يؤدى بعض المعاني الفلسفية بواسطة الحروف ، فيكوّن من ذلك ضربا من الجبر الفلسفي شبيها بالجبر المنطقي الذي انتهى اليه رسل وكوتورا « 2 » .

--> ( 1 ) ابن سينا ، المدخل ، ص 22 - 23 . ( 2 ) ابن سينا ، تسع رسائل ، ص 138 - 140 .